قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم هو المباشر لهذه الأمة العربية التي ستستقبل أول دعوة له ، فلا بُدَّ أنْ تأتي المعجزة بلسانها ، كما أن معجزة القرآن ليستْ للعرب وحدهم ، إنما تحدٍّ للإنس والجن على امتداد الزمان المكان .
كما قال سبحانه: {قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] .
فالقرآن تحدٍّ لكل الأجناس: الروسي ، والأمريكي ، والياباني ، والدنيا كلها ، ومعهم الجن أيضاً . لكن لماذا والجن أيضاً داخل في مجال التحدي؟
قالوا: لأن العرب قديماً كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو خطيب مفوه شيطاناً يمُدُّه ويُوحِي إليه ؛ لذلك أدخل الجن أيضاً في هذا المجال .
وقد يقول قائل: وكيف نتحدّى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي ، فهو حجة على العرب دون غيرهم؟
نقول: وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه العربي وأدائه البياني فقط؟ لا ، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف فيها اللغات ، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع؟ ألم يأْتِ القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له ، هما حضارة فارس في الشرق ، وحضارة الروم في الغرب؟ ألم تكُنْ هذه الظاهرة جديرةً بالتأمل والبحث؟
ثم الكونيات التي تحدَّث القرآن عنها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً ، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن .
إذن: طبيعي أن يأتي القرآن عربياً ؛ لأنه نزل على رسول عربي ، وفي أمة عربية ، والحق سبحانه يقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] .
فهم الذين يستقبلون الدعوة ، وينفعلون لها ، ويقتنعون بها ، ثم ينساحون بها في شتَّى بقاع الأرض ، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية ، أقنعوها بالمبادئ والمناهج التي جاء بها القرآن ؛ لأنها مبادئ ومناهج لا تخلتف عليها اللغات .