ثم قال تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} . أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف . أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي ، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل:"إن السحرة سحروا أعين الناس ، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم ، ثم ألقوها ، فخيل إلى موسى صلى الله عليه وسلم حينئذ أنها تسعى"قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} .
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس ، وكان فرعون وجنوده في ناحية ، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا ، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون ، فأوحى الله تعالى إليه: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى} أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
ثم قال: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} يعني العصا {تَلْقَفْ مَا صنعوا} ، فألقاها فتلقفت
حبالهم وعصيهم ، وكانت حمل ثلاث مامئة بعير ، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي ، إلا الله . وهذه آية تشتمل على آيات ، منها: انقلاب العصا ثعباناً ، ومنها: ابتلاعها الحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً ، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله ، فلا أثر لذلك ، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه ، لا إله غيره.
ثم قال: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} ما"بمعنى الذي مع {صَنَعُواْ} "ها"محذوفة . و {كَيْدُ} خبر"إن"و"الذي"اسمها."