وشرح ابن الأنباري هذا فقال: (يسأل فيقال: ما الفائدة في قوله: {مَا غَشِيَهُمْ} ؟ فيقال: المعنى غشيهم من اليم البعض الذي غشيهم [لأنه لم يغشهم كل مائه، بل الذي غشيهم] بعضه فقال الله تعالى: {مَا غَشِيَهُمْ} ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه) . هذا كلامه. وأجود منه ما ذكره محمد بن يزيد الثمالي وهو أنه قال: (معناه: غشيهم من اليم ما عرفتم أنه غشيهم) . كما قال أبو النجم:
أَنا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
أي: شعري ما قد عرفتم.
وقال سيبويه: (من كلام العرب: إن فعلت كذا وكذا فأنت أنت، أي: أنت كما تعرف، ويقولون: الناس ناس، أي: هم كما قد عرفتم) .
ومعنى {غَشِيَهُمْ} علاهم وسترهم.
79 - {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} حيث دعاهم إلى عبادته (وما هدى) ما هداهم إلى مراشدهم، وهذا تكذيب له إذا قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] .
وقال ابن عباس: (يريد ما أرشد نفسه) . وعلى هذا معنى (ما هدى) ما هدى نفسه. والمعنى: أنه أهلك نفسه وقومه بضلاله ودعائهم إلى الضلالة حتى أوردهم مواقع الهلكة.
80 -قال ابن عباس: (ثم ذكر الله تعالى منته على بني إسرائيل فقال: {بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ} يعني فرعون أغرقه بمرآى منهم) .
{وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} وذلك أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون التأني جانب الطور الأيمن، فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاجون إليه، وقد ذكرنا هذا المعنى عند قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] . واختلف القراء في: واعدنا ووعدنا.