قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم"من"الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر. أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله {يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر} [المدثر: 40 - 42] إلى قوله {وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 46] ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} [المطففين: 29] إلى آخر السورة. فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟ سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق. سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله {ومن يأته مؤمناً} فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا. قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح"جاءني زيد قد قام"بل صح قوله {قد عمل الصالحات} وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل. ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل. وقوله {نكالاً من الله} في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله {ومن يأته مؤمناً} لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله {فأولئك لهم الدرجات العلى} من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. ثم عظم شأن المذكور بقوله {وذلك جزاء من تزكى} أي قال"لا إله لا إله الله"قاله ابن عباس. وفيه دليل على أن قوله ومن
يأته مؤمناً يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون {تزكى} أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 543 - 560}