رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في هذه المجموعة من السورة نموذجا على الإيمان الصادق بالله ورسوله، ونموذجا عن الإيمان اليقيني باليوم الآخر، وما هي آثار ذلك، فهؤلاء سحرة فرعون عند ما خالط الإيمان بالله واليوم الآخر قلوبهم، أعلنوا إيمانهم في وجه فرعون واستهانوا بكل عقوباته واتهاماته وتهديداته، ولم يبق في قلوبهم إلا الرغبة في رضوان الله ونيل ثوابه، وإذا كان المقطع قد قص علينا ما يفعله الإيمان، فقد قص علينا كذلك من خبر فرعون ما عرفنا به أن عدم الإيمان بوحي الله ليس إلا أثر الكبر والعنجهية.
أما الصلة بين مقدمة السورة وسياقها هنا فهي من حيث إنها تبين لنا أن الوحي تذكرة لمن يخشى، وقد رأينا كيف أن السحرة تذكروا، فلم يكن الوحي شقاء لموسى، ولا لهم، فالشقاء: هو بقاء الإنسان على الكفر ورفضه للحق، والعبرة بالخواتيم في الدنيا والآخرة، ولئن كانت خاتمة السحرة شهادة، فإنها سعادة إذ هي أمنية المؤمنين وقد نالوا رضوان الله، ولكن كيف كانت عاقبة فرعون، وماذا أعد له في الآخرة؟.
إنه لا سعادة بدون هداية، ولا شقاء معها، ولا فلاح بدون إيمان ولا شقاء معه، وفي قول السحرة إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ما يفيد أن الإنسان لو عذبه الكافرون كل حياته لما كان ذلك يساوي شيئا، ولما كان ذلك بالنسبة له شقاء.