وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون ، فتقول مثلاً: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي ، لأن هناك متعةً أخرى: {انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام: 99] فقبل أن تأكل انظر ، فالنظر متعة ، وغذاء مستمر .
فقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [طه: 76] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع ، و {مِن تَحْتِهَا} [طه: 76] أي: أن الماء ذاتيّ فيها ، ونابع منها ، ليس جارياً إليك من مكان آخر ، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه .
لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار} [التوبة: 100] فتحتها أنهار جارية ، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر .
ونسب الجريان إلى النهر ، لا إلى الماء للمبالغة . فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء .
ثم يقول تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [طه: 76] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم ؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي ، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة ، فهو خالد بَاقٍ ، لا يزول ولا يُزال عنه .
{وذلك جَزَآءُ مَن تزكى} [طه: 76] الزكاة: تُطلَق على الطهارة وعلى النماء ، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهراً ، والنماء: أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه .
كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان ، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو ، وكلها صفات ذاتية في الوردة ، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة .
وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر ؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى ، وصدق الله العظيم حين قال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] .