قوله {واذكر في الكتاب} أي في القرآن {مريم إذا انتبذت} أي تنحت واعتزلت {من أهلها} أي من قومها {مكاناً شرقياً} أي مكاناً في الدار ما يلي المشرق ، وكان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تفلي رأسها وقيل إن مريم كانت قد طهرت من الحيض فذهبت تغتسل ، قيل ولهذا المعنى اتخذت النصارة المشرق قبلة {فاتخذت} أي فضربت {من دونهم حجاباً} قال ابن عباس أي ستراً وقيل جلست وراء جدار ، وقيل إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد ، فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت ، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه سوي الخلق فذلك.
قوله تعالى {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشراً سوياً} أي سوي الخلق لم ينقص من الصورة الآدمية شيئاً ، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ، وقيل المراد من الروح روح عيسى جاءت في صورة بشر فحملت به والقول الأول أصح ، فلما رأت مريم جبريل عليه السلام يقصد نحوها بادرته من بعيد {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} أي مؤمناً مطيعاً لله تعالى ، دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وروعها.
فإن قلت إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إن كنت تقياً.