ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصراً فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه ، فقال مصرحاً بالمهزوز: {بجذع النخلة} التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت: ولم ذاك ؛ فقال: {تساقط عليك} من أعلاها {رطباً جنياً} طرياً آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن ، وتدل على البراءة ، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها ، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك ، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة ، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها ، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته ، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل ، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.
ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب ، سبب عنه قوله: {فكلي} أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكيناً من كل منهما كلي من الرطب {واشربي} من ماء السرى {وقري} أي استقري {عيناً} بالنوم ، فإن المهموم لا ينام ، والعين لا تستقر ما دامت يقظى ، وعن الأصمعي أن المعنى: ولتبرد دمعتك ، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة ، واشتقاق"قري"من القرور ، وهو الماء البارد - انتهى.
وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشاً ومن حولهم يقولون: قررت به عيناً - أي بكسر العين - أقر ، وأن أسداً وقيساً وتميماً يقولون: قررت به عيناً - أي بالفتح - أقر ، قال - يعني الفراء: فمن قال: قررت - أي بالكسر - قراً ، وقرى عيناً - أي بالفتح ، وهي القراءة المعروفة ، ومن قال: قررت ، - أي بالفتح قراً وقري عيناً - بكسر القاف أي وهي الشاذة ، قال - أي القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد ، والمصدر قرة وقرور.