إذن: فهذا الأمر لا يحكمه إلا إرادة المكوِّن سبحانه . فالآية للناس في إنْ يعلموا طلاقة قدرته تعالى في الخَلْق ، وأنها غير خاضعة للأسباب ، وليستْ عملية ميكانيكية ، بل إرادة للخالق سبحانه أن يريد أو لا يريد .
لكن ، أكانتْ الآية في خَلْق عيسى عليه السلام أَمْ في أمه؟ كان من الممكن أنْ يوجد عيسى من أب وأم ، فالآية إذن في أمه ، إنما هو السبب الأصيل في هذه الآية ؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى:
{وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] فعيسى ومريم آية واحدة ، وليسا آيتين ؛ لأنهما لا ينفصلان .
ثم يقول تعالى: {وَرَحْمَةً مِّنَّا} [مريم: 21] ووجْه الرحمة في خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة ، أنه سبحانه يرحم الناس من أنْ يشكُّوا في أن قدرة الله منوطة بالأسباب ومتوقفة عليها ، ولو كان هذا الشكُّ مجرد خاطر ، فإنه لا يجوز ولا يصحّ بالنسبة للخالق سبحانه ، وكأنه تبارك وتعالى يرحمنا من مجرد الخواطر بواقع يؤكد أن طلاقة القدرة تأتي في الخَلْق من شيء ، ومن بعض شيء ، ومن لا شيء .
وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] أي: مسألة منتهية لا تقبل المناقشة ، فإياك أن تناقش في كيفيتها ؛ لأن الكلام عن شيء في المستقبل إنْ كان من متكلم لا يملك إنفاذ ما يقول فيمكن ألاَّ يتم مراده لأيِّ سبب من الأسباب كأن تقول: سأفعل غداً كذا وكذا ، ويأتي غد ويحول بينك وبين ما تريد أشياء كثيرة ربما تكون خارجة عن إرادتك ، إذن: فأنت لا تملك كُلَّ عناصر الفعل .
أما إذا كان الكلام من الله تعالى الذي يملك كل عناصر الفعل فإن قوله حَقٌّ وواقع ، فقال تعالى: {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] .