والثاني: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث ، قاله ابن جريج عن ابن عباس ، وكأنهم كانوا شاكين فيه ، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة موجدهم الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضرّ ولا ينفع ، على توّهم أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى. وقوله تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {أتنبئون} أي: تخبرون {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. {بما لا يعلم} أي: لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات ، استفهام إنكار تهكم بهم ، وبما ادّعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة ، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله تعالى: {في السماوات ولا في الأرض} تأكيد لنفيه ؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم ، وهذا على طريق الإلزام ، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع ، وأنه لا وجود له ألبتة ؛ لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى ، وجب أن لا يكون معلوماً موجوداً ، وهذا مثل مشهور في العرب ، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني ؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. {سبحانه} أي: تنزيهاً له عن كل شيء فيه شائبة نقص. {وتعالى عما يشركون} ما مصدرية أو موصولة ، أي: عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ، لقوله: {أتنبئون الله} والباقون بالياء على الغيبة ، فكأنه قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون ، ويجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الذي نزه نفسه عما قالوه ، فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون. ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بيّن السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله: