وإذا كانت الخسارة في الكيل والميزان طفيفة ومحتملة ، فمن باب أولى ألا نبخس الناس أشياءهم فلا نظلمهم بأخذ أموالهم والاستيلاء على حقوقهم ، فلا نسرف لأن السارق يأخذ ما تصل إليه يده ، ولا نغتصب ، ولا نختلس ، ولا نرتشي ، لأنه إذا كان وفاء الكيل هو أول مطلوب الله منكم مع أن الخسارة فيه طفيفة ، إذن فبخس الناس أشياءهم يكون من باب أولى .
ويتابع سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ...} [الأعراف: 85]
وبذلك نكون أمام أكثر من أمر جاء بها نبي الله شعيب: {اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ} وهذه العبادة لتربي فيهم مهابة وتزيدهم حباً واحترامً للآمر الأعلى ، وكذلك ليخافوا من جبروته سبحانه . وبعد ذلك ضرورة يكون الأمر بالوفاء بالكيل والميزان ، والزجر عن أن يبخسوا الناس أشياءهم ، ثم النهي والتحذير من الإِفساد في الأرض {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} ، والإِصلاح الذي يطلبه الله منا أن نستديمه أو نرقيه إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل .
مثال ذلك الهواء وهو العنصر الأول في الحياة المسخرة لك ؛ يصرّفه سبحانه حتى لا يفسد . والنعيم الثاني في الحياة وهو الشراب ؛ إنه سبحانه ينزل لك الماء من السماء ، ثم القوت الذي يخرجه لك من الأرض . والمواشي التي تأخذ منها اللبن ، والأوبار ، والأصواف ، والجلود ، كل ذلك سخره الله لك ، وهذا إصلاح في الأرض ، لكن هل هذه كل المقومات الأساسية؟ لا ؛ لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم وجد الغصب ، والسرقة ، والرشوة ، والاختلاس ، فسيفسد كل شيء ، ولا يعدل كل ذلك ويقيمه ويجعله سويا إلا الدين ؛ لأنه كمنهج يمنع الإِفساد في الأرض . {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ...} [الأعراف: 85]