ثم إن وجه تخصيص سورة هود بما وقع فيها أنه ذكر قبلها من مرتكبات قوم شعيب وسوء ردهم على نبيهم عليه السلام ما لم يرد مثله فِي آية سورة الأعراف وتأمل قولهم له:"ما نفقع كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز"، فتأمل ما فِي ردهم هذا من الاستهزاء والإساءة وشنيع المقابلة لجليل وعظه عليه السلام، لهم ورأفته فِي دعائهم إياهم بقوله:"إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط"وقوله:"بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ"وقوله:"أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"وقوله:"ولا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح"وقوله:"واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود".
فما أجل تلطف هذا النبي الكريم فِي دعائه إياهم وما أشنع ردهم عليه فلهذا ما عبر عن عذابهم وأخذهم هنا بأعم مما ورد فِي غير هذه الآية ولما لم يرد فِي غيرها مثل هذا فِي الدعاء والجواب ناسبه اللفظ الأخص رعيا لإحراز النظم الجليل وعلى تناسبه مع أن لا كبير اختلاف فِي المعنى الحاصل عن العبارتين والله أعلم.
وجواب ثان فِي اختلاف الوارد فيما أخذ به قوم شعيب وهو أن يكون المراد أخذهم بضروب من العذاب لقبيح مرتكبهم وسوء ردهم على نبيهم فبين ذلك قوله تعالى فِي سورة الشعراء:"فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة"والظلة غيم تحته سموم فهذا ولا غير الرجفة لأنها زلزلة فعلى هذا يكونون قد أخذوا بعذاب الزلزلة وعذاب الصيحة وهو عذاب يصحبه صوت وعذاب الظلة فورد ذلك على التدريج والتناسب بحسب ما ذكر قبل كل من هذا من مرتكباتهم وقد ذكر المفسرون تنوع عذابهم بالرجفة والصيحة والظلة كما امتحن آل فرعون بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 200 - 202}