قوله: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} أي في أي مكان، وفي الكلام حذف بعد من، والأصل فكلا من ثمارها حيث شئتما، وترك رغداً من هذا اكتفاء يذكره في البقرة، وأتى بالفاء هنا، وفي البقرة بالواو وتفننا وإشارة إلى أن كلاً من الحرفين بمعنى الآخر، وقيل إن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو فلا منافاة، وما ذكره شيخ الإسلام من الجواب بعيد، كما تقدم لنا في البقرة فانظره. بقي شيء آخر وهو أنه وجه الخطاب أولاً لآدم، وثانياً لهما، وحكمة ذلك أن حواء في السكنى تابعة لآدم، فوجه الخطاب في السكنى لآدم، وأما في الأكل من حيث شاءا، والنهي عن قربان الشجرة فقد اشتركا فيه، فلذا وجه الخطاب لهما معاً.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا} يقال قربت الأمر أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل، قرباناً بالكسر فعلته أو داينته، وحينئذ يكون النهي عن القربان، أبلغ من النهي عن الأكل بالفعل.
قوله: (وهي الحنطة) وقيل الكرم، وقيل التين، وقيل البلح، وقيل الأترج، والمشهور ما قاله المفسر.
قوله: {مِنَ الظَّالِمِينَ} أي لأنفسهما.
قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} الوسوسة: الحديث الخفي الذي يلقيه الشيطان في قلب الإنسان على سبيل التكرار.
إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان، وظاهر الآية يقتضي أن الشيطان وسوس لآدم؟
أجيب: بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء، وهي باشرت آدم بذلك، قال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، قال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، قال الله: أما أنت يا حواء فلأدمينك كل شهر كما أدميت الشجرة، وأما أنت يا حية فأقطع رجليك فتمشين على وجهك وليشدخن رأسك كل من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون.
إن قلت: كيف وسوس لهما وهو خارج الجنة؟