فإن قلت: الآية خرجت مخرج الامتنان عليهم، واللام للاختصاص أو للملك أو للتعليل أنسب من عطاء؛ لأن الامتنان عليهم أو لأجلهم أقوى بالمنزل عليهم، وأجيب بأنه إشارة إلى بعد المحل المنزل منه على المحل المنزل إليه، قال تعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) لاقتضائه العلو والارتفاع التام، وهذه الآية يعدها ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية مجاز إيقاع السبب برفع المسبب، وقدره بأن أنزلنا موضوع موضع أعطينا لباسا؛ لأن إنزال المنازل في إعطاء اللباس فنزل أنزلنا منزلة أعطينا، وتكون سببا غائبا؛ لأن اللباس سبب في الماء بمعنى أنه باعث عليه، كما أن الاستمكان من الحر والبرد سبب في بناء البيت مع أنه متأخر عنه.
قوله تعالى: {يُوَارِي سَوْ ءَاتِكُمْ ... (26) }
إشارة إلى وجوب ستر العورة دون ما سواها من البدن.
قوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) .
إشارة إلى أن من اللباس ما هو محرم كالحرير وخزه واللباس منه مباح، ومنه ما هو مندوب إليه، واللباس الحسن في الأعياد والجمع، فإن أريد اللباس الواجب فخير فعل لأفعل، وإن أريد المندوب فخير أفعل من الخير ذلك خير من المباح.
قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ ... (27) }
قال البيانيون: فائدة النداء الاهتمام بالمنادى وتعظيمه.
قوله تعالى: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) .
قال الجوهري: فتن إذا اختبر، وقال غيره: إذا امتحن، والفتنة من الشيطان فكيف نهي الإنسان عما ليس من فعله ولا في قدرته؟؛ فأجاب ابن عطية: من باب لألزمنك هاهنا؛ أي لَا تكن هنا فأراك أي لَا تتبعوا الشيطان فيفتنكم.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون: ليس مثله أن الرؤية مسببة عن الكون هناك والشيطان سبب في الاتباع، وأجيب بأن المعنى أي لَا تتبعوا هوى لنفسكم، وهوى النفس سبب في الوسوسة. لأنه إذا علم ميل النفس إلى الشهوات حمله ذلك على وسوستها على القدوم فيها، ويحتمل أن يكون من تكليف ما لَا يطاق على القول به؛ فنهى الإنسان عن فتنة الشيطان إياه.
قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم) .
قال أبو حيان: الكاف نعت لمصدر محذوف.