كمال صور بني بذلك فالظاهر من مفهوم فليسوا على كمال صوره؛ يعني: آدم،
كما ليسوا على صوره البهائم والأنعام والحشرات؛ أعني: نسل إبليس - لعنه الله -
بل هم على صور قاصرة عن صور بني آدم، وإن تخيلوا فظهروا لمن ظهروا له
على صورة حسنة، فإنهم قد منحوا ذلك، وليس في العالمين - أعني: ما هو دون
الإنسان - أحسن جملة من صورة الإنسان إلا ما صور على صورة آدم، فإنه حسنت
صورته أحسن تصوير، هو العالم الكلي وغيرها من الصور، وإن كانت صور حق
فليست كهي وإن كانت الفضائل ليست في النيات، والنيات والفضائل قد خص الله
بها من يشاء، وقد نرى الكافر من أحسن الناس صورة، ونرى بعض المؤمنين على
غير ذلك،
(قَالَ) الله - جلَّ جلالُه -: (اهبِطا مِنْها) فما يكون لك أن تتكبر فيها(اهبِطا مِنْها
جميعا)اهبطوا منها جميعا (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فالظاهر مما
تلاه علينا أن إبليس أهبط من الجنة وأخرج من حيث أخرج آدم - عليه السَّلام - وأهبط،
وإن كان أخرج إبليس - لعنه الله - قبل خروج آدم - عليه السَّلام - ويمكن أن يكون
إبليس أُهبط من ملكوت السماء إلى ملكوت الأرض؛ أعني: إلى غيب الدنيا، فإنه
قد تقدم أنه عزل من الملكوت، وإنما له من ذلك البُطْل والخسر، لكن ذلك وجود
ما لا يمكن جحده ولا إبطاله، وقد أوجده على يديه وبواسطته. انتهى.
وأما آدم - عليه السَّلام - فإنه أخرج من باطن الدنيا إلى ظاهر الأرض، فمنزلة الجن
في هذه الدار في غيب دون غيب البرزخ، ولذلك كان حكم البرزخ غائبًا عنهم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنازة:"يسمعها كل شيء إلا الثقلين".
ومنزلنا نحن منها ظاهر في حقنا لغيرهم فيه، لذلك كانوا لنا بمنزلة من
يرانا ولا نراه، وهم وإن كانوا في غيب من منزلنا ومنزلنا مكشوف لربهم لا
يستطيعون التعلق بالظواهر إلا بإباحة من مالك الأعيان - جل ذكره - غيب الله ذلك
عنهم بغيب يعرفونه، فلا يفتحون لذلك غلقًا، ولا يحلون لذلك وكاء ولا
يكشفون إناء ولا يذهبون بمتاع ظاهر، وهم على ذلك قد أعطوا قوى وقدرًا وأعمالاً
وصناعات.