وقرأ بعضهم قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ) ، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك إلى ما قال: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) . وقراءة العامة الظاهرة: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) ، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة رغبة آدم في أن يصير ملكًا؛
حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) .
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) ، أي: أوردهما، يقال: دلاني فلان بحبل غرور، أي: أنه زين ألك، القبيح حتى يرتكبه، وأصل التدليه من الدلو، وهو من الدعاء، أي: دعاهما بغرور، ودعاؤه إياهما بغرور، هو قوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) ، وقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) .
وقوله: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا) .
فَإِنْ قِيلَ: كيف خصّ السوءة بالذكر، ومنته في اللباس في كل البدن لا في السوءة خاصة؟ وكذلك قوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) ، ذكر منته فيما أنعم علينا من ستر العورة وذلك في العورة وفي غيرها من البدن في دفع البرد والحرّ وغير ذلك؟!
قيل: لأن كشف العورة مستقبح في الطبع والعقل جميعًا، وأما كشف غيرها من البدن فليس هو بمستقبح في الطبع ولا في العقل، وربما يبدي المرء لغيره من البدن سوى العورة عند الحاجة، ويستر عند غير الحاجة، وأما العورة فإنه لا يبديها إلا في حال الضرورة؛ لذلك كان ما ذكر.
أو أن يقال: إن المفروض من الستر هو قدر الضرورة، والآخر يلبسه: إما بحق التجمل، وإما بحق دفع البرد والحرّ والأذى؛ لذلك كان تخصيصه بالذكر، وإلا المنة والنعمة عظيمة في لباس غيره من البدن.