وإنما ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من الصالحين، بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا .. أردفه بقوله: {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} ؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات.
47 - {قَالَتْ} مريم لجبريل لما بشرها بالولد، وقيل: تقوله لله عَزَّ وَجَلَّ - {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} ؛ أي: يا سيدي من أين يكون لي ولد {و} الحال أني {لم يمسسني بشر} ؛ أي: لم يصبني رجل بالحلال ولا بالحرام؟؛ لأن المحررة لا تتزوج أبدًا كالذكر المحرر.
أي قالت: كيف يكون لي ولد وليس لي زوج؟ وقد يكون مرادها: أيحدث ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك؟ وقد يكون قصدها: التعجب من قدرة الله واستعظام شأنه. وفي"الفتوحات": والاستفهام هنا استفهام حقيقي عن كيفية خلقه منها، هل يكون وهي بهذه الحالة عزباء، أو بعد أن تتزوج؟ فأجابها: بأنه يخلقه منها، وهي على هذه الحالة، كما يدل عليه قولنا الآتي من خلق ولدٍ منك بلا أب. انتهى.
{قَالَ} جبريل الأمر {كَذَلِكِ} ؛ أي: كما قلت لكِ من خلق ولد منك بلا أب {اللَّهُ} سبحانه وتعالى {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} كيف شاء بسبب، وبلا سبب.
أو المعنى: مثل هذا الخلق العجيب، والإحداث البديع - وهو خلق الولد بغير أبٍ - يخلق الله ما يشاء، فالكاف صفة لمصدر محذوف على هذا المعنى.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل؟
قلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبئ عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق.