46 -وقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ} ، وقوله: {من الصالحين} فهذه أربعة أحوال من {كلمة} ، والتذكير باعتبار معناها، وهي وإن كانت نكرة، لكنها موصوفة، أي: حالة كونه شريفًا رفيعًا ذا جاء وقدر. {فِي الدُّنْيَا} بالنبوة وبإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بسبب دعائه. {و} في {الْآخِرَةِ} بجعله شفيع أمته، وبقبول شفاعته فيهم، وبعلو درجته عند الله تعالى {و} حالة كونه كائنًا
{من المقربين} إلى الله في جنة عدن، وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء، وتصاحبه الملائكة {و} حالة كونه {يكلم الناس في} زمن {الْمَهْدِ} والطفولة، وهو في حجر أمه إظهارًا لبراءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة على نبوته؛ حيث قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} ، كما سيأتي في سورة"مريم"، وبعد ما تكلم بهذا الكلام .. سكت ولم يتكلم حتى بلغ أوان النطق عادة {و} يكلمهم حالة كونه {كهلا} ؛ أي: بالغًا كبيرًا بكلام الأنبياء، والدعوة إلى الله، فهو إشارة إلى نبوته. وزمن الكهولة من الثلاثين سنة إلى الأربعين، وفي وصفه بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنه بمعزل عن الألوهية، ففيه ردٌّ على النصارى، كانه قال: لو كان إلهًا كما زعمتم .. ما اعتراه هذا التغير من كونه صبيًّا وكهلًا وغير ذلك.
{و} حالة كونه كائنًا من العباد {الصَّالِحِينَ} ومعدودًا منهم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، الذين تعرف مريم سيرتهم؛ مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، وغيرهم من الأنبياء.