وقيل: الدين أسٌّ والمُلك حارس ، لكون أحدهما غير مستغن عن الآخر من وجه ، وقد يسمى المتسلط ملِكًا وإن كان على ضرب من المجاز ، وعلى هذا
قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) ، فسماه ملكًاً مع كونه غاصبًا.
واختُلفَ: هل يؤتى الملك الفاسق والكافر ؟
فمنهم من قال: لا يُؤتاهما.
وإليه ذهب البلخي والجبائي ، وذلك لنظرهم
إلى الملُك الأول ، ولاعتبار قوله (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) .
ومنهم من قال: يُؤتاهما ذلك ، وذلك لنظرهم إلى الثاني الذي هو
التسلُط ، وكون ذلك أحد الأغراض الدنيوية ، ولهذا قال
ربُّنا: (إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا) ، والأظهر
في الآية أنه يعني الملكَ ، الحقيقي لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)
فأضافه إلى نفسه تعظيمًا له
والملك المطلق هو الملك الإِلهي ، الذي لا جور فيه بوجه ، ولذلك قرنه
بالعزِّ والذُلِّ ، وإخراج الحي من الميت ، والميت من الحي ، وإيلاج
الليل فِي النهار ، والنهار فِي الليل ، وإعطاء الرزق ، ونبه بقوله:
(مَالِكَ الْمُلْكِ) أن الملك فِي الحقيقة له وما لغيره عارية مستردة.
ولم يعن بالملك هاهنا سياسةْ العامة فقط ، بل ملك الإِنسان
على قواه وهواه ، فقد قيل: لا يصلح لسياسة الناس من لا يصلح
لسياسة نفسه. وقيل لبعضهم: من الملك ؟ فقال: من ملك هواه
فقهره ، وقوله: (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) أي تُعزه بإعطائه الملك.
(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) باسترجاعه منه أو حرمانه إياه.
وقيل: تُعزُ من تشاء بأن تصونه عن تمكينه من الملك فِي الدنيا.
وتذل من تشاء بإعطائه ذلك ، وهذا التفسير على النظر إلى ما قال عليه
الصلاة والسلام:"ستحرصون على الإِمارة ، ثم تكون حسرة"
وندامة إلى يوم القيامة""
وما قال أبو بكر رضي الله عنه:
"إن أشقى الناس فِي الدنيا والآخرة الملوك ، إن الرجل إذا ملك"