زهَّده الله فيما فِي يده ، ورغَبه فيما فِي يد غيره ، ونقصه شطر أجله
وأُشرب قلبه الإشفاق ، فهو يحسد على القليل ، ويتسخَط
الكثير ، فإذا وجبت نفسه حاسبه الله فأشدَّ حسابه وأقلّ غفره""
وقال بعض المفسرين: أمر نبيه فِي هذه الآية أن يدعوه ، بأن يُحول
عِزَّ فارس إلى العرب ، وخضص الملك بالنبوة ، فقال معناه:
تؤتي النبوة من تشاء وتصرفها عمن تشاء.
وقيل قوله: (تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ)
ليس براجع إلى المُلك ، وإنما معناه:
من يشاء بطاعته ، ويُذِلّ من يشاء بمعصيته ، والأظهر أن يكون
ذلك عامًّا فِي كل عز وذل دنيويا كان أو أخرويا.
إن قيل: كيف قال: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) والخير والشر بيده ؟
فقيل فِي ذلك أجوبة:
الأول: أراد الخير والشر ، لكن الآية لما كانت فِي الحمد
والشكر لا للحكم ذكر الخير ، إذ هو المشكور عليه ، وعلى ذلك -
قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ، وفيه تعليمنا كيف نمدح
أبناء جنسنا بأن نذكرأشرف خصالهم.
والثاني: أنه نصّ على المعظّم ليُفهم منه الضد الآخر.
كقوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، وكقول الشاعر:
فما أدري إذا يممتُ وجهاً ... أريدُ الخير أيُّهما يليني
والثالث: أنه أراد بالخير: الخير والشر ، وسمَّاهما خيراً ، لأنه
ليس فِي العالم شرٌّ خالص ، كما أن فيه خيرا خالصاً ، وذاك أن ما
هو شر بكذا هو خير لكذا ، فالخير والشر يصدق عليهما الوصف
بالخير من هذه الجهة ، ولا يصدق عليهما الوصف بالشر ، فلو
قال بيده الشُر ، لم يدخل فيه الخير.
ووصْفه بالقدرة على كل
شيء فِي آخر الآية تنبيه على أنه أراد الأمرين ، فإن سعة القدرة
تقتضيهما.