يُقْبَلَ مِنْهُ [3: 85] الْآيَةَ وَسَتَأْتِي، ذَلِكَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - شَرَعَ الدِّينَ لِأَمْرَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) : تَصْفِيَةُ الْأَرْوَاحِ وَتَخْلِيصُ الْعُقُولِ مِنْ شَوَائِبَ الِاعْتِقَادِ بِالسُّلْطَةِ الْغَيْبِيَّةِ لِلْمَخْلُوقَاتِ، وَقُدْرَتِهَا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْكَائِنَاتِ ; لِتَسْلَمَ مِنَ الْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِمَنْ هُوَ مِنْ
أَمْثَالِهَا، أَوْ لِمَا دُونَهَا فِي اسْتِعْدَادِهَا وَكَمَالِهَا.
(وَثَانِيهِمَا) : إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ بِحُسْنِ الْقَصْدِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ وَلِلنَّاسِ، فَمَتَى حَصَلَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ انْطَلَقَتِ الْفِطْرَةُ مِنْ قُيُودِهَا الْعَائِقَةِ لَهَا عَنْ بُلُوغِ كَمَالِهَا فِي أَفْرَادِهَا وَجَمْعِيَّاتِهَا، وَهَذَانَ الْأَمْرَانِ هُمَا رُوحُ الْمُرَادِ مِنْ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِتَرْبِيَةِ هَذَا الرُّوحِ الْأَمْرِيِّ فِي الرُّوحِ الْخَلْقِيِّ ; وَلِذَلِكَ شَرَطَ فِيهَا النِّيَّةَ وَالْإِخْلَاصَ وَمَتَى تَرَبَّى سَهُلَ عَلَى صَاحِبِهِ الْقِيَامُ بِسَائِرِ التَّكَالِيفِ الْأَدَبِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ الَّتِي يَصِلُ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ وَتَحْقِيقُ أُمْنِيَةِ الْحُكَمَاءِ.