إذن فوسائل إدراك القضايا هي كالآتي: أولا: علم. ثانيا: تقليد. ثالثا: جهل. رابعا: شك. خامسا: ظن. سادسا: وهم. والعلم هو أعلى المستويات فِي إدراك القضايا. ولذلك نجد أن الحق يحدد لنا على ماذا اختلف الذين أوتوا الكتاب ، لقد اختلفوا من بعد ما جاءهم من العلم. ولم يقل الحق: إنهم اختلفوا بعد ما جاءهم التقليد أو الظن ، أو الجهل أو الشك ، إنما قال الحق: إنهم قد اختلفوا من بعد ما جاءهم الاستيفاء الكامل ، وهو العلم. وما دام هناك أمر قد جاء من القائم بالقسط والإله الواحد ، فالمسألة القادمة منه وهي الحق قد وصلت إلى مرتبة العلم إذن ، ففيم الاختلاف ؟ لا بد أن أمراً ما قد جدّ. والذي يجد إنما هو قادم من الأغيار ، وهي الأهواء ، ولذلك يحدد لنا الحق هذا الأمر بقوله"بَغْياً بَيْنَهُمْ". ما البغي ؟ البغي هو طلب الاستعلاء بغير حق. إذن فطلب الاستعلاء ليس ممقوتا فِي ذاته ؛ لأن طلب الاستعلاء هو قضية الطموح فِي الكون. وأن يطلب إنسان الرفعة فيجد ويجتهد ، ويبذل العرق ليصل إلى مكانة علمية أو غيرها ، فهذا حق طبيعي ، ونحن نعرف أن العالم قد ارتقى بالطموحات الإنسانية ، إن العالم لو اكتفى وثبت عند الذي وصل إليه فِي جيل ما ، فإن العالم يحكم على نفسه بالجمود ، ولكن الناس طورت فِي العالم الذي تحياه بجهد بذله البعض منهم فِي قضايا نافعة ، ثم حاولوا أن يرتقوا بها ونالوا حقهم من التقدير ، وارتفعوا بالعلم بجهد حقيقي بذلوه ، وبدراسة لما بذله السابقون عليهم.