{قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. والله غني حليم} ..
فيقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها! وأولى منها كلمة طيبة وشعور سمح.
كلمة طيبة تضمد جراح القلوب ، وتفعمها بالرضى والبشاشة. ومغفرة تغسل أحقاد النفوس وتحل محلها الإخاء والصداقة. فالقول المعروف والمغفرة فِي هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة: من تهذيب النفوس وتأليف القلوب.
ولأن الصدقة ليست تفضلاً من المانح على الآخذ ، إنما هي قرض لله.. عقب على هذا بقوله:
{والله غني حليم} ..
غني عن الصدقة المؤذية. حليم يعطي عباده الرزق فلا يشكرون ، فلا يعجلهم بالعقاب ولا يبادرهم بالإيذاء ؛ وهو معطيهم كل شيء ، ومعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء - فليتعلم عباده من حلمه - سبحانه - فلا يعجلوا بالأذى والغضب على من يعطونهم جزءاً مما أعطاه الله لهم. حين لا يروقهم منهم أمر ، أولا ينالهم منهم شكر!
وما يزال هذا القرآن يذكر الناس بصفة الله سبحانه ليتأدبوا منها بما يطيقون ؛ وما يزال أدب المسلم تطلعاً لصفة ربه ، وارتقاء فِي مصاعدها ، حتى ينال منها ما هو مقسوم له ، مما تطيقه طبيعته.
وعندما يصل التأثر الوجداني غايته.. بعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلاً للذين ينفقون أموالهم فِي سبيل الله ، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى ، وبعد التلويح بأن الله غني عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة ، وأنه وهو الواهب الرازق لا يعجل بالغضب والأذى.. عندما يصل التأثر الوجداني غايته بهذا وذاك ، يتوجه بالخطاب إلى الذين آمنوا ألا يبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى ، ويرسم لهم مشهداً عجيباً - أو مشهدين عجيبين يتسقان مع المشهد الأول. مشهد الزرع والنماء. ويصوران طبيعة الإنفاق الخالص لله ، والإنفاق المشوب بالمن والأذى. على طريقة التصوير الفني فِي القرآن ، التي تعرض المعنى صورة ، والأثر حركة ، والحالة مشهداً شاخصاً للخيال: