ويعضد هَذَا الْخَبَر مَا جَاءَ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (دِيَة النَّبِي إِذا قَتله قومه سَبْعُونَ ألف رجل من خِيَار قومه) فَلَمَّا رأى ذَلِك دانيال عَلَيْهِ السَّلَام خرج فَارًّا بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد مصر فَبَقيَ فِيهَا أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ اشتاق إِلَى موطنه ومسقط رَأسه وقبور أسلافه من الْأَنْبِيَاء والأولياء عَلَيْهِم السَّلَام فَركب حمارا لَهُ وأتى نَحْو بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا كَانَ بمقربة مِنْهُ رأى جنَّة كَانَت لَهُ وَقد بَقِي فِيهَا بعض علائق من شجر الْعِنَب فَأَتَاهَا فَوجدَ فِيهَا عنبا نضجا فاقتطف مِنْهَا وَأكل وملأ سلة كَانَت مَعَه وَركب حِمَاره وَسَار حَتَّى أشرف على مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس فرآها خرابا يبابا لم يبْق فِيهَا رسم وَلَا طلل فتحسر على فقد الخلان وخراب الأوطان كَمَا قيل
(أحب بِلَاد الله مَا بَين منعج ... إِلَيّ وسلمى أَن يصوب سحابها)
(بِلَاد بهَا عق الشَّبَاب تمائمي ... وَأول أَرض مس جلدي ترابها)
فَتحَرك قلبه تحسرا على فقد الخلان وخراب الأوطان فَقَالَ {أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا} يَعْنِي كَيفَ تعود هَذِه الْبَلدة على مَا كَانَت عَلَيْهِ بعد خرابها فاستبعد أَن تعود على مَا كَانَت عَلَيْهِ من نباتها وشجرها وبساتينها كَمَا يستبعد النَّاس أَن تعود الْبِلَاد كَمَا كَانَت عَلَيْهِ بعد خرابها على مجْرى الْعَادة
وَهَذَا من الْكَلَام الْمُبَاح الَّذِي يَقُوله النَّاس إِذا خربَتْ الْبِلَاد وَكَانُوا يعرفونها عامرة من قبل
وَكَثِيرًا مَا قيل هَذَا فِي ندب الأطلال الخالية والرسوم البالية إِلَّا أَن أهل المراقبة يطْلبُونَ بِهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي كَانَ غَيرهَا أولى مِنْهَا كَمَا تقدم
فَإِن مثل أُولَئِكَ لَا يستبعدون كَائِنا فِي مَقْدُور الله تَعَالَى كَانَ مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد لما يعلمُونَ من نُفُوذ إِرَادَته ومضاء أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون
كَمَا عتب الْمَلَائِكَة امْرَأَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَت
يَا ويلتا أألد وَأَنا عَجُوز الْآيَة فَقَالُوا لَهَا {أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله}
أَي مثلك يرى فِي فعل الله عجبا وَأَنت صديقَة
قَالَ الْمَشَايِخ الْعجب أَن لَا ترى عجبا فَإِذا لم تَرَ عجبا كنت أَنْت الْعجب