رفع الواقديُّ - رحمه الله - إلى المأمون رقعة، فوقع فيها المأمون: إنك رجلٌ فيك خلّتان: سخاءٌ وحياءٌ، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك، وأما الحياء فهو الذي منعك من أن تطلعنا على ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بثلاثة آلاف درهم. فان كنا أصبنا إرادتك فذاك، وإن لم نكن فبجنايتك على نفسك، وأنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهري، عن أنس، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال للزُّبير"يا زبير! إن مفاتيح الرزق، بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثَّر كثِّر له، ومن قلَّل قلِّل له". قال الواقديّ: فقلت له: يا أمير المؤمنين! قد نسيت هذا الحديث، فكان تذكارك إياي له أعجب إليّ من الجائزة.
قال أبو العتاهية:
إذا ما المرء صرت إلى سؤاله ... فما تعطيه أكثر من نواله
ومن عرف المحامد جدّ فيها ... وحنَّ إلى المكارم باحتياله
ولم يستغل محمدةً بمالٍ ... ولو كانت تحيط بكلِّ ماله
عيال الله أكرمهم عليه ... أبثُّهم المكارم في عياله
وللفقيه أبي عمر بن عبد البر رضي الله عنه:
تعفُّف المرء عن سؤاله ... وكسبه الحلّ باحتياله
وسعيه في الصلاح عيشٍ ... لمن يواريه من عياله
مروءةٌ وبالغٌ بها ... من يبلغها منتهى كماله
ومن يصن وجهه يزنه ... صيانة الوجه من جماله
رضي الفتى بالقضاء عزٌُّ ... وذلَّة الوجه في ابتذاله
ولأبي دلف العجلي:
بلوت مرارة الأشياء طرّاً ... فما شيء ٌ أمرّ من السُّؤال
ولم أر في الخطوب أشدّ هولاً ... وأصعب من معاداة الرِّجال
وقال أعرابي:
علام سؤال النَّاس والرِّزق واسع ... وأنت صحيحٌ لم تخنك الأصابع
وفي العيش أوطارٌ وفي الأرض مذهبٌ ... عريضٌ وباب الرِّزق في الأرض واسع
فكن طالباً للرِّزق من رازق الغنى ... وخلِّ سؤال النَّاس فالله صانع
وحج هارون الرشيد، فأرسل إلى سفيان بن عيينة فأمره أن يحدث بنيه، فقال يا أمير المؤمنين قد سألني الناس فامتنعت عليهم، ولكني أجلس لبنيك وللناس، فقال: نعم.
فلما جلس صاح به الناس: سألناك الجلوس لنا فأبيت علينا، فلما جاءك المال والجائزة جلست.