وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: تَصْدِيقُ الْأَمَلِ وَتَحْقِيقُ الظَّنِّ بِهِ ثُمَّ اعْتِبَارُ حَالِهِ وَحَالِ سَائِلِهِ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعِ أَحْوَالٍ: فَالْحَالُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُسْتَوْجِبًا وَالْمَسْئُولُ مُتَمَكِّنًا. فَالْإِجَابَةُ هَهُنَا تَسْتَحِقُّ كَرْمًا وَتَسْتَلْزِمُ مُرُوءَةً وَلَيْسَ لِلرَّدِّ سَبِيلٌ إلَّا لِمَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْبُخْلُ، وَهَانَ عَلَيْهِ الذَّمُّ، فَيَكُونُ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ:
إنِّي رَأَيْت مِنْ الْمَكَارِمِ حَسْبُكُمْ ... أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا
فَإِذَا تَذَكَّرْتُ الْمَكَارِمَ مَرَّةً ... فِي مَجْلِسٍ أَنْتُمْ بِهِ فَتَقَنَّعُوا
فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ حَرَّمَ ثَرْوَةَ مَالِهِ، وَمَنَعَ حُسْنَ حَالِهِ، أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا فِي صَنِيعٍ مَشْكُورٍ، وَبِرٍّ مَذْخُورٍ.
وَقَدْ قِيلَ لِبَخِيلٍ: لِمَ حَبَسْتَ مَالَك؟ قَالَ: لِلنَّوَائِبِ. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ نَزَلَتْ بِك.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
مَا لَك مِنْ مَالِكِ إلَّا الَّذِي ... قَدَّمْت فَابْذُلْ طَائِعًا مَالِكَا
تَقُولُ أَعْمَالِي وَلَوْ فَتَّشُوا ... رَأَيْت أَعْمَالَك أَعْمَى لَكَا
وَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، وَرَفَعَ أَسْبَابَ شُكْرِهِ، فَصَارَ بِأَنْ لَا حَقَّ لَهُ، مَذْمُومًا كَمَشْكُورٍ، وَمَأْثُومًا كَمَأْجُورٍ.
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
خَزَنَ الْبَخِيلُ عَلَيَّ صَالِحَهُ ... إذْ لَمْ يُثْقِلْ بِرُّهُ ظَهْرِي
مَا فَاتَنِي خَيْرُ امْرِئٍ وَضَعَتْ ... عَنِّي يَدَاهُ مُؤْنَةَ الشُّكْرِ
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّدِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ سَبِيلٌ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُضِرًّا عَجَّلَ بَذْلَهُ، وَقَطَعَ مَطْلَهُ.
وَكَانَتْ إجَابَتُهُ فِعْلًا، وَقَوْلُهُ عَمَلًا.
وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: مِنْ مُرُوءَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَنْ لَا يَلْجَأَ إلَى إلْحَاحٍ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ:
وَمُنْتَظِرٌ سُؤَالَك بِالْعَطَايَا ... وَأَشْرَفُ مِنْ عَطَايَاهُ السُّؤَالْ
إذَا لَمْ يَأْتِك الْمَعْرُوفُ طَوْعًا ... فَدَعْهُ فَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ مَالْ