ويوجهه إلى إنكار ذاته وعدم المن بما يقدمه من الجهد , أو استكثاره واستعظامه: (ولا تمنن تستكثر) . . وهو سيقدم الكثير , وسيبذل الكثير , وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء . ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه ويستكثره ويمتن به . . وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها . فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه . بل حين لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله ; شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه . فهو فضل يمنحها إياه , وعطاء يختارها له , ويوفقها لنيله . وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله . لا المن والاستكثار .
ويوجهه أخيرا إلى الصبر . الصبر لربه: (ولربك فاصبر) . . وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت . والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة . معركة الدعوة إلى الله . المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب ; ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء ! وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله , ويتجه به إليه احتسابا عنده وحده .
الدرس الثاني:8 - 10 الناقور والصور وصعوبته على الكفار
فإذا انتهى هذا التوجيه الإلهي للنبي الكريم , اتجه السياق إلى بيان ما ينذر به الآخرين , في لمسة توقظ الحس لليوم العسير , الذي ينذر بمقدمه النذير:
(فإذا نقر في الناقور . فذلك يومئذ يوم عسير . على الكافرين غير يسير) . .