قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز ، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال ، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف ، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور ههنا هو العقل ، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات ، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق الله القلم ، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماوات ومن الزبد الأرض ، قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض.
قوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ} .
اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم ، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابة ، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب ، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان المعنى ظاهراً ، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم ، وبكل ما يكتب بكل قلم ، وقيل: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في {يَسْطُرُونَ} لهم ، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم ، أي ومسطوراتهم.
وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ، ولفظ الجمع في قوله: {يَسْطُرُونَ} ليس المراد منه الجمع بل التعظيم ، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار ، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.