القراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله: {ن والقلم} فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها ، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما بعدها ، وإذا انفصلت مما بعدها وجب التبيين ، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال ، ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو {الم * الله} [آل عمران: 1] وقولهم في العدد واحد اثنان فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في {طس} [النمل: 1] و {يس} [يس: 1] وقال الفراء: وإظهارها أعجب إلي لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل.
وقوله تعالى: {والقلم} فيه قولان: أحدهما: أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض ، قال تعالى:
{وَرَبُّكَ الأكرم * الذي عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان ما لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 3 5] فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منَّ بالنطق فقال: {خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان} [الرحمن: 3 ، 4] ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق الله القلم ، قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال ، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض ، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.