قوله: (وضع فيها خلق الرحمن مَوْضع الضَّمير) وهو فيهن وليس من باب وضع
الظَّاهر مَوْضع المضمر لأن الْمَشْهُور وضع الظَّاهر المرجع إليه للضَّمير وهنا ليس كَذَلكَ
ولذا قال وضع فيها خلق الرحمن الخ. ولم يقل وضع الظَّاهر الخ.
قوله: (للتعظيم) لإضَافَته لاسمه تَعَالَى للتعظيم ولا رابط في الْجُمْلَة الواقعة صفة مع
أنه لازم، والظَّاهر أن الشَّيْخَيْن جوزا خلو الْجُمْلَة الواقعة صفة. ولو قيل إن الضَّمير مَحْذُوف
أي في خلقهن الرحمن لكان أقرب إلَى القبول، ولذا قال ابن هشام في المغني في الباب
الرابع الْجُمْلَة الْمَوْصُوف بها لا يربطها إلا الضَّمير إما مذكورًا أو مقدرًا، والْقَوْل بأنه لا يلزم
الْمُصَنّف اتباعه والتوفيق بَيْنَهُمَا بأنه إذا لم يقصد التعظيم ضعيف؛ إذ قصد التعظيم لا يكون
رابطًا وهو ظاهر. نعم قد يقوم الظَّاهر مقام المضمر في الربط إذا كان اسم الظَّاهر مرجع
الضَّمير نحو قَوْلُه تَعَالَى: (الحاقة ما الحاقة) .
قوله: (والإشعار بأنه تَعَالَى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضلًا) فاسم
الرحمن هنا أوقع من سائر أسمائه تَعَالَى للتنبيه الْمَذْكُورة.
قوله: (وأن في إبداعها نعمًا جليلة لا تحصى) لأنها مشحونة بضروب البدائع وتبصرة
للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار ومحل نزول الأرزاق وسبب لما ينتظم به أمور العباد في
المعاش والمعاد، وكذا يعرف به أوقات الصلوات وسائر المبرات.
قوله: (والخطاب فيها للرسول عليه السَّلام) وهو الْمُخْتَار وخطابه يعم خطاب الأمة
فحِينَئِذٍ يكون ضمير أنت حقيقيًا.
قوله: (أو لكل مخاطب) فيدخل الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ فيه دخولًا أوليًّا فيكون أنت
مَجَازًا إما مرسل أو اسْتعَارَة.
قول: (وقوله:(فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) متعلق به على معنى
التسبب) هذا بيان تعلقه بما قبله تعلقًا سويًا.
قوله: (أي قد نظرت إليها مرارًا فانظر إليها مرة أخرى متأملًا فيها لتعاين ما أخبرت
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وضع فيها خلق الرحمن مَوْضع الضَّمير. فإن الأصل أن يقال ما ترى فيهن لكن عدل
عن الأصل لمَوْضع مَوْضع الضَّمير قوله (خلق الرحمن) تعظيمًا لخلقهن وتنبيهًا
على سبب سلامتهن من التفاوت وهو كونهن خلق الرحمن وأنه بباهر قدرته هُوَ الذي يخلق مثل
ذلك الخلق المتناسب، وهذا الْمَعْنَى مستفاد من لفظ الرحمن، وذلك أن الرحمن كالمرادف لاسم الله
الأعظم كما في قَوْله تَعَالَى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)
فيكون حكمه حكمه فدل في مقام القدرة والخلق عَلَى كمالها فيكون في وضع
الرحمن مَوْضع الضَّمير إضمارًا بأن لا يكون في خلق السَّمَاوَات نوع نقصان وتفاوت، ثم لا يخلو
إيثار لفظ الرحمن عَلَى لفظة الله في هذا المقام من نكتة وهي الإشعار بأن خلق هذه الأجرام العظام
نعمة جليلة توجب الحمد عَلَى [خلقها] ، منها مسارج أنظار المتفكرين ومهابط أنوار رب الْعَالَمينَ.