{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الرحمن: 33] الآية . وهذا القول أظهر - والله أعلم - فإذا بدت الخلائق ولّوا مدبرين ، يقال لهم:
{إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم ، فافعلوا . وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول ، فإن قبلها {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} الآية ، وهذا في الآخرة ، وبعدها {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء} [الرحمن: 37] الآية ، وهذا في الآخرة وأيضاً فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن فإنه أتى به بصيغة العموم ، وهي قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه ، وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر . وقال تعالى: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} ولم يقل: إن استطعتما ، لإرادة الجماعة ، كما في آية أخرى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ} [الأنعام: 13] ، وقال:
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} ، ولم يقل: يرسل عليكم ، لإرادة الصنفين ، أي: لا يختص به صنف عن صنف ، بل يرسل ذلك على الصنفين معاً . وهذا ، وإن كان مراداً بقوله:
{إِنِ اسْتَطَعْتُمْ} [الرحمن: 33] ، فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجمع أحسن ، أي: من استطاع منكم . وحسَّنَ الخطاب بالتثنية في قوله: {عَلَيْكُمَا} أمر آخر ، وهو موافقة رؤوس الآي ، فاتصلت التثنية بالتثنية . وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب بالتنصيص عليهما ، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما - والله أعلم - انتهى كلام ابن القيم .
وأنت ترى أن لا قرينة تخصص الآية بالقيامة ، وما استشهد به من الآيات لا يؤيده ، لأنه ليس من نظائره . فالوجه ما ذكرناه .