قال جمهور المفسرين: المعنى أنه رأى محمد جبريل مرّة أخرى ، وقيل: رأى محمد ربه مرّة أخرى بفؤاده {عِندَ سِدْرَةِ المنتهى} الظرف منتصب ب {رآه} ، والسدر: هو شجر النبق ، وهذه السدرة هي في السماء السادسة ، كما في الصحيح ، وروي أنها في السماء السابعة ، والمنتهى: مكان الانتهاء ، أو هو مصدر ميمي ، والمراد به: الانتهاء نفسه ، قيل: إليها ينتهي علم الخلائق ، ولا يعلم أحد منهم ما وراءها ، وقيل: ينتهي إليها ما يعرج به في الأرض ، وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء ، وقيل غير ذلك.
وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه {عِندَهَا جَنَّةُ المأوى} أي: عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى ، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم ، وقيل: إن أرواح المؤمنين تأوي إليها.
قرأ الجمهور {جنة} برفع جنة على أنها مبتدأ ، وخبرها الظرف المتقدّم.
وقرأ عليّ ، وأبو الدرداء ، وأبو هريرة ، وابن الزبير ، وأنس ، وزر بن حبيش ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وأبو سبرة الجهني: (جنه) فعلاً ماضياً من جنّ يجن ، أي: ضمه المبيت ، أو سترة إيواء الله له ، قال الأخفش: أدركه ، كما تقول: جنه الليل أي: ستره وأدركه ، والجملة في محل نصب على الحال {إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى} العامل في الظرف {رآه} أيضاً ، وهو ظرف زمان ، والذي قبله ظرف مكان ، والغشيان بمعنى: التغطية والستر ، وبمعنى الإتيان ، يقال: فلان يغشاني كل حين أي: يأتيني ، وفي الإبهام في قوله: {مَا يغشى} من التفخيم ما لا يخفى ، وقيل: يغشاها جراد من ذهب ، وقيل: طوائف من الملائكة.
وقال مجاهد: رفرف أخضر ، وقيل: رفرف من طيور خضر ، وقيل: غشيها أمر الله ، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً للصورة البديعة ، أو للدلالة على الاستمرار التجددي.