{مَا زَاغَ البصر} أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه {وَمَا طغى} أي: ما جاوز ما رأى ، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام ، حيث لم يلتفت ، ولم يمل بصره ، ولم يمده إلى غير ما رأى ، وقيل: ما جاوز ما أمر به {لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى} أي: والله لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف ، قيل: رأى رفرفاً سدّ الأفق ، وقيل: رأى جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح ، كذا في صحيح مسلم ، وغيره ، وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى ، وقيل: هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه وعوده ، و"من"للتبعيض ، ومفعول رأى: الكبرى ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً ، أي: رأى شيئًا عظيماً من آيات ربه ، ويجوز أن تكون"من"زائدة.
{أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى} لما قصّ الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين ، موبخاً لهم ومقرّعاً {أَفَرَءيْتُمُ} أي: أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها؟ وهل أوحت إليكم شيئًا ، كما أوحى الله إلى محمد ، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع؟ ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب ، وعظم اعتقادهم فيها.
قال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى ، فقالوا: من الله اللات ، ومن العزيز العزّى ، وهي تأنيث الأعزّ بمعنى العزيزة ، ومناة من منى الله الشيء: إذا قدّره.
قرأ الجمهور {اللات} بتخفيف التاء ، فقيل: هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدّم ، وقيل: أصله: لات يليت ، فالتاء أصلية ، وقيل: هي زائدة ، وأصله لوى يلوي ؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها ، أو يلتون عليها ، ويطوفون بها.