وبعد، فإن أصل {اللَّاتَ وَالْعُزَّى} لَوْيَةٌ، فَعْلة من لَوَى على الشيء يَلْوِي، إذا عكف عليه، لأنهم كانوا يَعْكُفون عليها، والتاء فيه للتأنيث. وقيل: هو من لَتَّ السويق، إذا بَلَّهُ بالماء. وقيل: كان رجلًا يَلْتّ السويق للحاج، فلما
مات عبدوا صورته، فالتاء على هذا أصل مشددة، وليست للتأنيث، وقد خففت كراهة التضعيف، وأصل الكلمة فاعل.
والجمهور على تخفيف التاء، وقرئ: (اللاتَّ) بتشديدها، وزعموا أنه كان رجلًا بسوق عكاظ يلتُّ السويق والسمن عند صخرةٍ، فإذا باع السويق والسمن صُبَّ على الصخرة ثم يُلَتُّ، فلما مات ذلك الرجل عبدتْ ثقيف تلك الصخرة إعظامًا لذلك الرجل صاحب السويق.
وقال أبو حاتم كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سَمِنَ فعبدوا ذلك الرجل.
وحكى أبو الحسن فيها: (أفرأيتم اللاتِ) بكسر التاء، وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل بمنزلة التاء في ليت وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل بمنزلة ألف شاة، وذات مال، ذكره عنه أبو الفتح.
وأما (العزى) ففعلى من العز، وهي تأنيث الأعز في الأصل، وعن مجاهد: العزى كانت لغطفان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد رضي الله عنه إليها فقطعها وجعل يضربها بالفأس ويقول:
يا عز كُفرانَكِ لا سُبحانكِ ... إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانَكِ
فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فقتلها خالد رضي الله عنه.
وأما (منوة) فاسم صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لثقيف والتاء فيه للتأنيث، والنسبة إليها مَنَوِيّ، وألفها يجوز أن تكون منقلبة عن ياء، وأن تكون منقلبة عن واو.
و {الثَّالِثَ} : صفة لمناة و {الْأُخْرَى} صفة بعد صفة جيء بها على وجه التوكيد، لأن الثالثة لا تكون إلا للأخرى، ولكن الصفات تُذْكَرُ للتأكيد، كأمسِ المدبرِ، وأمسِ الدابرِ. وقيل: {الْأُخْرَى} صفة للعزى، والتقدير: العزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: الأخرى ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار. وقيل: أصل مناة: مَنْأَة بالهمز، وهو من قولهم: مَنَأتُ، إذا مسحتَ، لأنهم كانوا يمسحونها بأيديهم.