فَتَأمل كَيفَ قاد النّظر فِي حِكْمَة الله إلى شَهَادَة الْعُقُول وَالْفطر بِصدق رسله وَمَا أخبروا بِهِ تَفْصِيلًا يدل عَلَيْهِ الْعقل مُجملا فَأَيْنَ هَذَا من مقَام من اداء علمه إلى الْمُعَارضَة بَين مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَبَين شَوَاهِد الْعقل وأدلته وَلَكِن تِلْكَ الْعُقُول كادها باريها ووكلها إلى أنفسها فَحلت بهَا عَسَاكِر الخذلان من كل جَانب وحسبك بِهَذَا الْفَصْل وعظيم منفعَته من هَذَا الْكتاب وَالله الْمَحْمُود المسؤل تَمام نعْمَته فَهَذِهِ كَلِمَات مختصرة نافعة فِي مَسْأَلَة إيلام الأطفال لَعَلَّك لَا تظفر بهَا فِي أَكثر الْكتب فَارْجِع الان إلى نَفسك وفكر فِي هَذِه الأفعال الطبيعية الَّتِي جعلت فِي الإنسان وَمَا فِيهَا من الْحِكْمَة وَالْمَنْفَعَة وَمَا جعل لكل وَاحِد مِنْهَا فِي الطَّبْع الْمُجَرّد والداعي الَّذِي يَقْتَضِيهِ ويستحثه فالجوع يستحث الأكل ويطلبه لما فِيهِ من قوام الْبدن وحياته ومماته والكرى يقتضي النّوم ويستحثه لما فِيهِ من رَاحَة الْبدن والأعضاء واجمام القوى وعودها إلى قوتها جَدِيدَة غير كالة والشبق يَقْتَضِي الْجِمَاع الَّذِي بِهِ دوَام النَّسْل وقضاءالوطر وَتَمام اللَّذَّة فتجد هَذِه الدَّوَاعِي تستحث الإنسان لهَذِهِ الأمور وتتقاضاها مِنْهُ بِغَيْر اخْتِيَاره وَذَلِكَ عين الْحِكْمَة فَإِنَّهُ لَو كَانَ الإنسان إِنَّمَا يَسْتَدْعِي هَذِه المستحثات إِذا أراد لَأَوْشَكَ أن يشْتَغل عَنْهَا بماي يعروه من الْعَوَارِض مُدَّة فينحل بدنه وَيهْلك ويترامى إلى الْفساد وَهُوَ لَا يشْعر كَمَا إِذا احْتَاجَ بدنه إلى شَيْء من الدَّوَاء وَالصَّلَاح فدافعه وَأعْرض عَنهُ حَتَّى إِذا استحكم بِهِ الدَّاء أهلكه فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير أن جعلت فِيهِ بواعث ومستحثات تؤزه ازا إلى مَا فِيهِ قوامه وبقاؤه ومصلحته وَترد عَلَيْهِ بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَا استدعائه فَجعل لكل وَاحِد من هَذِه الأفعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عَلَيْهِ