ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله تَعَالَى فِي كَثْرَة بكاء الأطفال وَمَا لَهُم فِيهِ من الْمَنْفَعَة فَإِن الأطباء والطبائعيين شهدُوا مَنْفَعَة ذَلِك وحكمته وَقَالُوا فِي أدمغة الأطفال رُطُوبَة لَو بقيت فِي أدمغتهم لأحدثت أحداثا عَظِيمَة فالبكاء يسيل ذَلِك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وَتَصِح وأيضا فَإِن الْبكاء والعياط يُوسع عَلَيْهِ مجاري النَّفس وَيفتح الْعُرُوق ويصابها ويقوى الأعصاب وَكم للطفل من مَنْفَعَة ومصلحة فِيمَا تسمعه من بكائه وصراخه فَإِذا كَانَت هَذِه الْحِكْمَة فِي الْبكاء الَّذِي سَببه وُرُود الألم المؤذي وَأَنت لَا تعرفها وَلَا تكَاد تخطر ببالك فَهَكَذَا إيلام الأطفال فِيهِ وَفِي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم مَا قد خَفِي على أكثر النَّاس واضطرب عَلَيْهِم الْكَلَام فِي حكمه اضْطِرَاب الارشية وسلكوا فِي هَذَا الْبَاب مسالك.
فَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ إلا مَحْض الْمَشِيئَة الْعَارِية عَن الْحِكْمَة والغاية الْمَطْلُوبَة وسدوا على أنفسهم هَذَا الْبَاب جملَة وَكلما سئلوا عَن شَيْء أجابوا بِلَا يسال عَمَّا يفعل وَهَذَا من اصدق الْكَلَام وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ نفي حكمته تَعَالَى وعواقب أفعاله الحميدة وغاياتها الْمَطْلُوبَة مِنْهَا وَإِنَّمَا المُرَاد بالآية إِفْرَاده بالإلهية والربوبية وَإنَّهُ لكَمَال حكمته لَا معقب لحكمه وَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ بالسؤال لأنه لَا يفعل شَيْئا سدى وَلَا خلق شَيْئا عَبَثا وَإِنَّمَا يسْأَل عَن فعله من خرج عَن الصَّوَاب وَلم يكن فِيهِ مَنْفَعَة وَلَا فَائِدَة ألا ترى إلى قَوْله {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) }
كَيفَ سَاق الآية فِي الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لَا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الْفرق فَقَوله {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل} إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية.
وَقَوله {وهم يسْأَلُون} فِي صَلَاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة فَكيف يسوى بَينهَا وَبَينه مَعَ أعظم الْفرْقَان.