وقيل: كل الأنبياء أولو عَزْم إلا يونس بن متى ؛ ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن يكون مثله ؛ لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مُغاضِباً لقومه ، فابتلاه الله بثلاث: سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله ، وسلّط الذئب على ولده فأكله ، وسلط عليه الحوت فابتلعه ؛ قاله أبو القاسم الحكيم.
وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيّاً أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم ، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل ؛ فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم ، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل ، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل ؛ فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل ؛ فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب.
وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض ؛ فمنهم من نُشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من صُلب على الخشب حتى مات ، ومنهم من حُرّق بالنار.
والله أعلم.
وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وعيسى ؛ فأما إبراهيم فقيل له:
{أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين} [البقرة: 131] ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه ، فوجد صادقاً وافياً في جميع ما ابتلي به.
وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين} [الشعراء: 26] .
وأما داود فأخطأ خطيئته فنُبّه عليها ، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ، فقعد تحت ظلها.
وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لَبِنة على لَبِنة وقال: إنها مَعْبرة فاعبروها ولا تعمروها.
فكأن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصبر ؛ أي كن صادقاً فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ؛ واثقاً بنُصرة مولاك مثل ثقة موسى ، مهتمًّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ، زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى.