بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ أي بل هذا هو العذاب الذي طلبتموه بقولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ إنه ريح نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، تحمل بين جوانبها العذاب المهلك المؤلم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما، فساق اللَّه إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد يقال له (المعتّب) .
وضمير رَأَوْهُ عائد إلى غير مذكور، بيّنه قوله عارِضاً كما قال تعالى: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر 35/ 45] ولم يذكر الأرض، لكونها معلومة، فكذا هنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا
السحاب عارضا، وهذا أولى، أو أن الضمير عائد إلى ما في قوله: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضا.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عائشة، قالت: «ما رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، قلت: يا رسول اللَّه، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قال: يا عائشة، وما يؤمّنني أن يكون فيه عذاب؟ قد عذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا» .
ثم وصف اللَّه تعالى تلك الريح، فقال:
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أي تخرب وتهلك تلك الريح كل شيء مرّت به من نفوس (عاد) وأموالها مما شأنه الخراب، بإذن اللَّه لها في ذلك، كقوله سبحانه:
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات 51/ 42] أي كالشيء البالي. ولهذا ذكر تعالى أنهم قد بادوا كلهم عن آخرهم، ولم تبق لهم باقية، وأصبحوا لا يرى من أموالهم وأنفسهم شيء، لكن ترى آثار مساكنهم.
وهذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا، فكما جازينا عادا بكفرهم باللَّه بذلك العذاب، نجازي كل مجرم كافر. والمقصود منه تخويف كفار مكة.