ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه وما يئول إليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال {والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} أي وأمَّا الوالد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحاً لكما على هذه الدعوة {أتعدانني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي} ؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ} أي وأبواه يسألان الله أن بغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاَّ هلكت {إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه {فَيَقُولُ مَا هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين} أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطرَّرها الألولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى {أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول} أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث «هؤلاء في النار ولا أبالي» {في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس} أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا أخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم قال الإِمام الفخر: قال بعضهم: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه {أُفٍّ لَّكُمَآ} بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة علاية،