بعد أن أقام الله عزّ وجل الحجة على الكافرين في أن هذا القرآن من عنده، يعرض لنا موقفا آخر من مواقفهم تجاه القرآن، وهو موقف غاية في الكبر، إذ يستدلون على أن هذا القرآن ليس فيه خير بسبق المستضعفين إليه، وإيمانهم به، ثم يستدرجهم الكبر إلى اتهام جديد لهذا القرآن. ومن خلال هذا العرض نرى كيف أن السورة تلاحق كل ما يصرف عن العبادة لله التي توصّل إلى الاهتداء بكتاب الله، فلنر شبهة الكافرين الجديدة:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: عن الذين آمنوا فاللام هنا بمعنى عن لَوْ كانَ أي: القرآن خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي: ما سبقنا هؤلاء المستضعفون إليه. قال ابن كثير: يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا. رضي الله عنهم، وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة، وله بهم عناية، وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بيّنا، كما قال تبارك وتعالى وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا (الأنعام: 53) أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا، ولهذا قالوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وأمّا أهل السنّة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم: (هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها) ثم قال تعالى عن هؤلاء المستكبرين وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي: بالقرآن فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي كذب متقادم أي كذب قديم، أي مأثور عن الناس الأقدمين. فاجتمع لهم بذلك انتقاص القرآن وأهله،
وهذا دأب رافضي هدى الله في كل زمان ومكان، أنهم ينتقصون أهل الإيمان، وينتقصون مضمون القرآن. مرضا في العقل، وعمى في القلب.
قال صاحب الظلال: (ولقد سارع إلى الإسلام وسبق إليه نفر من الفقراء والموالي في أول الأمر. فكان هذا مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين. وراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به، ولا أسبق منا إليه. فنحن في مكانتنا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا، أعرف بالخير من هؤلاء.