قال ابن كثير: وقد استدل علي رضي الله عنه بهذه الآية مع التي في لقمان: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] ، وقوله تبارك وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] ، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وهو استنباط قوي صحيح ، ووافقه عليه عثمان ، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم .
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي: استحكم قوته ، وعقله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} أي: ألهمني: {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} أي: بالهداية للتوحيد ، والعمل بطاعتك ، وغير ذلك {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} أي: واجعل الصلاح سارياً في ذريتي ، راسخاً فيهم: {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} أي: من ذنوبي التي سلفت مني: {وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي: المستسلمين لأمرك ونهيك ، المنقادين لحكمك .
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [16] .
{أُوْلَئِكَ} أي: الموصوفون بالتوبة والاستقامة: {الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} أي: من الصالحات فنجازيهم عليها: {وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} أي: فلا نعاقبهم عليها لتوبتهم: {فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} أي: معدودين في زمرتهم ثواباً ومقاماً .
قال الشهاب: والظاهر أنه من قبيل: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] ليدل على المبالغة بعلوّ منزلتهم فيها ؛ إذ قولك: فلان من العلماء . أبلغ من قولك: عالم . ولم يبينوه ههنا ، ومن لم يتبنه لهذا قال في بمعنى مع . انتهى .