ومن هذه الآيات الكريمة نرى جانبا من قصة موسى - عليه السلام - ، وكيف أنه بلغ رسالة ربه على أكمل وجه، وسلك مع فرعون وقومه أحكم السبل في الدعوة إلى الحق ..
كما نرى فيها فضل الله - تعالى - على نبيه، وعلى بني إسرائيل، حيث نجاهم من ظلم فرعون وطغيانه، وأهلكه ومن معه أمام أعينهم، وأورثهم كنوز أعدائهم ..
وبعد هذا الحديث عن موسى - عليه السلام - وعن قومه، وعن فرعون وشيعته .. بعد كل ذلك انتقلت السورة، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور، وردت عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته. وأنه واقع لا محالة، وبينت سوء عاقبة من ينكر ذلك، ومن يصر على كفره وجحوده فقال الله - تعالى -:
[سورة الدخان (44) : الآيات 34 إلى 50]
(إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ(34) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35)
واسم الإشارة في قوله - تعالى -: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ يعود إلى مشركي مكة، الذين سبق الحديث عنهم في قوله - تعالى -: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ إلخ.
وذكر - سبحانه - قصة فرعون وقومه في الوسط، للإشارة إلى التشابه بين الفريقين في التكذيب للحق، وفي الإصرار على الضلال.
وكانت الإشارة للقريب، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم.
وإِنْ في قوله - تعالى -: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى ... نافية. أي: إن هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث: ما الموتة التي نموتها في نهاية حياتنا الدنيوية، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث ولا نشور.
ومرادهم من الأولى: السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث والنشور.
قال بعض العلماء: وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين.
الأولى منهما الموت، والأخرى حياة البعث، أثبتوا الحالة الأولى وهي الموت، ونفوا ما بعدها.
وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شيء بعدها، لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم .. .
وقوله: وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ تأكيد لما سبقه. أي: قالوا ليس هنا من موت سوى الموت المزيل لحياتنا، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك.