ليس في الجنة عشرة أشياء: ليس فيها هرم ولا نوم ولا موت ولا خوف ولا ليل ولا نهار ولا ظلمة ولا حر ولا برد ولا خروج، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، على أن المراد: بيان استحالة ذوق الموت فيها على الإطلاق، كأنه قيل: لا يذوقون فيها الموتة إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل، وذوق الماضي غير ممكن في المستقبل، لا سيما في الجنة التي هي دار الحياة فهذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} .
والمقصود: أنهم لا يذوقون فيها الموت ألبتَّة، وكذا لا ينكحون منكوحات آبائهم قطعًا، وقيل: إلا بمعنى بعد كما اختاره ابن جرير، أو بمعنى سوى، واختاره ابن عطية،
فَإِنْ قُلْتَ: هذا دليل على نفي الحياة والموت في القبر.
قلت: أراد به: جنس الموت، المتعارف المعهود فيما بين الخلق، فإن الموت المعهود لا يعرى عن الغصص، والموت بعد الإحياء في القبر يكون أخف من الموت المعهود، كما في"الأسئلة المقحمة".
والمعنى: أي لا يخشون في الجنة موتًا ولا فناء أبدًا، وقد ثبت في"الصحيحين": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت".
وروى أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تهرموا أبدًا"، رواه مسلم.
وخلاصة ذلك: لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال الزجاج والفراء.
{وَوَقَاهُمْ} ؛ أي: حفظهم الله سبحانه وتعالى {عَذَابَ الْجَحِيمِ} وصرفه عنهم، وقرأ الجمهور: {وقاهم} بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة مشددًا بالقاف،
57 -وقوله: {فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ} منصوب على المصدرية بفعل مقدر، أو على الحالية؛ أي: أعطي المتقون ما ذكر من نعيم الجنة، والنجاة من عذاب النار عطاءً وتفضلًا منه تعالى، لا جزاءً للأعمال المعلولة، وقرئ بالرفع؛ أي: ذلك فضل من ربك، كما في"البيضاوي".