ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم ومتصرفاً فِي أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم فالرسول فِي القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما فِي القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء ، وسادسها: أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] وقوله: {وهم من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 28] والخوف والإِشفاق ينافيان العزم على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال عليه الصلاة والسلام:"ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام"فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] فإن قيل: إن قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضاً فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة فِي حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى فِي حقهم.
والجواب عن الأول: أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر.