وثانيها: أنهم قالوا: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر ، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر ، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه: أحدها: أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا: إن ميلهم إلى التمرد أشد ، لأن العبد السليم من الآفات ، المستغنى عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور فِي الحاجات ، فإنه يكون كالمضطرب فِي الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ، ولهذا قال تعالى: {فإذا ركبوا فِي الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65] ومعلوم أن الملائكة سكان السماوات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبداً مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فإنه أطلق له فِي جميع مواضع الجنة بقوله: {وكلا منها رغداً حيث شئتما} [البقرة: 35] ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع فِي الشر ، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر ، وثانيها: أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان ، أما الإِقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسوماً بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه: