ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر ...} .
هذا المعنى كما نقول في العامية (اديني عرض كتافك) أي: انصرف عنهم ، فلم يَعُدْ بينك وبينهم لقاءٌ ، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع ، ولم يَبْقَ لهم إلا السيف يردعهم ، على حَدِّ قول الشاعر:
أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عَقِّبْ بعدَها وَعيداً ... فَإنْ لَمْ يُغْنِ أَغَنَتْ عَزَائمهُ
فقد بلَّغهم رسول الله وأنذرهم ، لقد بشَّرهم بالجنة لمن آمن ، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا . إذن:
فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أو حَدّ مُرْهَف ... فالعاقل الوحي يقنعه ، والجاهل السيف يردعه .
وقوله سبحانه: {وانتظر . .} [السجدة: 30] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة ، وقلنا: إن وعد الله محقق ، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده ، أما الإنسان فعليه حين يَعِد أنْ يتنبه إلى بشريته ، وأنه لا يملك شيئاً من أسباب تنفيذ ما وعد به .
لذلك يُعلِّمنا ربنا: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ...} [الكهف: 24] وتعليق أمرك على مشيئة الله عز وجل يحميك أن تكون كاذباً إذا لم تَفِ بما وعدتَ به ، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر ، إنما يملكها خالق البشر سبحانه ، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة .
وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلاً: سأقابلك غداً أو سأفعل لك كذا وكذا ، نعم أنت صادق وتنوي الوفاء ، لكنك لا تملك في الغد سبباً واحداً من أسباب الوفاء ، فلربما طرأ لك طارئ ، أو منعك مانع ، وربما تغيَّر رأيك . . الخ .