وفَرْق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه {وانتظر} [السجدة: 30] وبين {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30] فانتظار رسول الله لشيء محقق ، له رصيد من القوة والقدرة ، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة شيطان ، لا رصيد لها من قوة وإنقاذ .
ومعنى {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 31] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه ، وهذا حمق منهم ، فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مُؤيَّد من الله مُرْسَل من قِبَله لهدايتهم ، وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ثم يُسْلمه أو يخذله ، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة مهما قويتْ شوكة المعاندين لهم .
إذن: لا سبيلَ إلى ذلك ، ولا سبيلَ أيضاً إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع ، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه .
وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ (التربص) في قوله تعالى: {تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين} [الطور: 31]
وفي قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين ...} [التوبة: 52] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حُسْنيين: إما النصر والغلبة عليكم ، وساعتها ندحركم ونُذلكم . أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة
{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فتربصوا ...} [التوبة: 52]
يعني: تربَّصوا بنا ، فنحن أيضاً نتربص بكم ، لكن فَرْق بين تربُّصنا وتربُّصكم .
وهذه السورة سميت (السجدة) أولاً: لأن بها سجدة تلاوة ينبغي أن نسجد الله شكراً عندها ، والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق - تبارك وتعالى - فإذا جاءت هذه الآية التي تهز كيان الإنسان يعلمنا ربنا أن ننفعل لهزَّة الكيان ، وأن نسارع بالسجود ، ولا ننتظر سجودنا بعد ذلك في الصلاة .