ثم إنك لو نظرتَ إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن الأمم صاحبة الحضارات لم تستطع أنْ تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم ، ولم يستطيعوا صيانتها . حتى العصور التقدمية: كنا في العصر الحجري ، ثم عصر البخار ، ونحن الآن في عصر الفضاء .
إذن: نحن مرتقون فقط في الماديات ، لكن منحدرون في المعنويات ، لكن هل هذا الارتقاء المادي جاء عن امتلاك لمعالم هدى الله في الأرض؟ لا ، لأن الله تعالى بيِّن لنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
فأنا الذي أنزلتُ ، وأنا الذي ضمنتُ حفظه ، فلم أتركه لكم تحفظوه ، إذن: المسألة عن عجز منا ، وإلا فكتاب البداية موجود حجة علينا .
وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ . .} [السجدة: 26] أي: أنني لا ألقى القضايا بدون حجة أو دليل ، بل هي شاخصة أمامكم تمرون بها ، وتروْنَها ليل نهار ، كما قال سبحانه: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138]
ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] فالله يحضُّهم على أنْ يستمعوا إلى سِيَر المكذِّبين المعاندين ، وما حاق بهم من انتقام الله منهم .
وبالله: الإنسان مهما قَصُر عمره ، ألم يَرَ ظالماً ، وألم يَرَ مصرع هذا الظالم وعاقبة ظلمه ، فإنْ لم يَرَ ظالماً ألم يُحدَّث عنه؟ إذن: مما يصلح حال الناس أنْ يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن نهايتهم ، وما ينزل بهم من الانتقام الذي لا ينتظر الآخرة ، بل يُعَجِّل لهم في الدنيا .
وفي ذلك حكمة لله بالغة ؛ لأن الظالم ربما لا يرعوى ولا يرجع في الدنيا عن ظلمه ، فيظل يُعربد في الخَلْق ما أحياه الله ، لكن إنْ مسَّه شيء من العذاب ، فلربما عاد إلى رُشْده ، وإن لم يَعُدْ كان عبرة لغيره .