لذلك قال أهل المعرفة: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه . وربما مَنْ رآه ظالماً يراه مظلوماً ، ومَنْ أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله .
وتأمل قول ربك: {وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ...} [الأنعام: 129] فكأن الظالم له رسالة ، هي أن ينتقم من ظالم مثله ، وهكذا يُهلك الله هؤلاء بعضهم ببعض ؛ لأن الخيِّر طيِّب القلب لا يؤدب ظالماً ، فإن اعتديتَ عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو .
ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفار مكة:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"فكأن الله عز وجل يقول للخيِّر: اجلس أنت واسترح ، واترك الأشرار لي ، فسوف أرسل عليهم من هو أشرّ منهم ليؤدبهم .
واختار الحق هنا حاسة السمع {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] لأنها وسيلة الإدراك المناسبة للموقف ، فبها نسمع ما يُحكَى عن الظالمين وبها نعتبر ، وفي موضع آخر سيقول {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] ويقول: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} [يس: 68] فيُنوِّع لنا ، ويُقلِّب كل وسائل الإدراك لينبهنا من خلالها .
والمعنى {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] ما يُرْوَى لهم عن مصارع الظالمين ، لقد نبهناهم وذكَّرناهم ، ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم (ودن من طين ، وودن من عجين) .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)