{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} جاء بعد قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} وقع في جواب الله تعالى له، بعد الكلام الذي كان منه لما بشر بالولد، فطال الكلام جدا، وخفف بالحذف في موضعه اختيارا. وكذلك قوله تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} تعلق هذا بقوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} فأما قوله:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} فإنه قلت الجمل قبله، ولم يتعلق بما تقدمه تعلق ما ذكرنا به، فلم يثقل، فاختير الإتمام على الأصل، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} لم يتقدمه ما يثقله من الجمل ما تقدم غيره مما ذكرنا، وهذه النون حذفها في حال سكونها لشبهها بحروف المد واللين، إذ كانت صوتا جاريا في هواء الأنف، كما أن تلك أصوات تجري في هواء الفم، ثم انضاف إلى هذا السبب كثرتها في الكلام، وهي: أنها تدخل على كل فعل، فيقال: كان زيد فاعلا، ولم يك زيد فاعلا، فلما كانت الكثرة أحد سببي حذف النون في الأصل، صارت كثرة المتعلقات أحد سببي اختيار حذفها، فإن سأل عن قوله:
{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} وقبله {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} وقد انقطع الكلام، ولا تعلق لقوله: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} بما قبله.